الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
42
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بمقاولة أهل البلاغة والخطابة والشعر تشبه بلاغة القول الذي نطق به عن وحي القرآن ، إذ لو كانت حالته بعد الوحي حالا معتادا وكانت بلاغة الكلام الذي جاء به كذلك لكان له من المقدمات من حين نشأته ما هو تهيئة لهذه الغاية وكان التخلق بذلك أطوارا وتدرجا . فلا جرم دل عدم تشابه الحالين على أن هذا الحال الأخير حال رباني محض ، وأن هذا الكلام موحى إليه من عند اللّه ليس له بذاته عمل فيه . فما كان هذا الكلام دليلا على المشركين وإبطالا لا دعائهم إلا لما بنى على تلاوة القرآن فكان ذكر القرآن في الاستدلال هو مناطه ، ثم لما فرع عليه جملة : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ إذ كان تذكيرا لهم بحاله قبل أن يتلو عليهم القرآن ولولا ذانك الأمران لعاد الاستدلال مصادرة ، أي استدلالا بعين الدعوى لأنهم ينهض لهم أن يقولوا حينئذ : ما أرسلك اللّه إلينا وقد شاء أن لا يرسلك إلينا ولكنك تقولت على اللّه ما لم يقله . فهذا بيان انتظام هذا الدليل من هذه الآية . وقد آل الدليل بهذا الوجه إلى الاستدلال عليهم بمعجزة القرآن والأمية . ولكلمة تَلَوْتُهُ هنا من الوقع ما ليس لغيرها لأنها تتضمن تاليا كلاما ، ومتلوا ، وباعثا بذلك المتلو . فبالأول : تشير إلى معجزة المقدرة على تلاوة الكتاب مع تحقق الأمية لأن أسلوب الكتب الدينية غير الأسلوب الذي عرفه العرب من شعرائهم وخطبائهم . وبالثاني : تشير إلى القرآن الذي هو معجزة دالة على صدق الآتي به لما فيه من الحقائق والإرشاد الديني الذي هو من شأن أنبياء الأديان وعلمائها ، كما قال تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ [ العنكبوت : 48 ، 49 ] . وبالثالث : تشير إلى أنه كلام من عند اللّه تعالى ، فانتظمت بهذا الاستدلال دلالة صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم في رسالته عن اللّه تعالى . والتلاوة : قراءة المكتوب أو استعراض المحفوظ ، فهي مشعرة بإبلاغ كلام من غير المبلّغ . وقد تقدمت عند قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ في سورة البقرة [ 102 ] ، وعند قوله : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً في سورة الأنفال [ 2 ] .